السيد كمال الحيدري
511
أصول التفسير والتأويل
تعالى : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ( الحجر : 8 6 ) . فكأنّ هذه الآية وقعت جواباً عن قولهم وافترائهم ، وهو أنّ المجنون لا يمكن له حفظ الذكر ولا يليق بأن ينزل عليه ، فأجابهم الله تبارك وتعالى بأنّ التنزيل إنّما هو فعل الله وهو الحافظ له عن التحريف والتغيير إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( الحجر : 9 ) . الإشكال الثالث : إنّ مدّعى التحريف في القرآن يحتمل وجود التحريف في هذه الآية نفسها ، لأنّها بعض آيات القرآن ، فلا يكون الاستدلال بها صحيحاً حتّى يثبت عدم التحريف ، فلو أردنا أن نثبت عدم التحريف بها ، كان ذلك من الدور الباطل . وقد أُجيب عن ذلك بجوابين : الأوّل : إنّ هذه الشبهة إنّما تستحكم لو عُزلت العترة الطاهرة عن الخلافة الإلهية ، ولم يُعتمد على أقوالهم وأفعالهم ، وأمّا من يرى أنّهم حجج الله على خلقه ، وأنّهم قرناء الكتاب في وجوب التمسّك ، وآمن بإمضائهم للكتاب الموجود ، فإنّه يرتفع هذا الإشكال عنه ؛ لأنّ دلالة هذه الآيات على عدم التحريف في القرآن تتوقّف على كونها غير محرّفة ، وكونها غير محرّفة ثبت بإمضاء أهل البيت عليهم السلام لها على ما هي عليه ، فهي حجّة في مدلولها ، ومدلولها ظاهر في عدم تحريف القرآن ، ولا يتوقّف على عدم التحريف في القرآن ، ومتى اختلف الموقوف عن الموقوف عليه ارتفع الدور . وإمضاء أهل البيت عليهم السلام للقرآن المتداول ضرورىّ كما سنقف عليه في البحوث اللاحقة .